الفيض الكاشاني
1290
علم اليقين في أصول الدين
وَلا يُنْزِفُونَ * وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ 56 / 15 - 24 ] . وهذا يدلّ على أنّ ذلك جزاء أعمالهم دون علومهم واعتقاداتهم ؛ ويشبه أن لا يكون لهم كثير التذاذ بها ولا التفات ، كما يشعر به قوله - عزّ وجلّ - : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ لأنّ قرّة عيونهم إنّما هي في الجنّة العالية . * * * قال بعض المحقّقين « 1 » : وإنّما يحصل ذلك كلّه بإبداع النفس تلك الصور الملذّة في عالمها وصقعها الخاصّ بها ، فإنّ للنفس اقتدارا على ذلك ، ولكنّها ما دامت في هذه النشأة لا تترتّب عليها آثارها ، لضعفها واشتغالها بالمحسوسات وانهماكها فيها ، إلّا لأصحاب الكرامات خاصّة من الأولياء . وأمّا في الآخرة : فيكون ذلك لعامّة الناس ، إلّا أنّ السعداء - لصفاء طويّتهم وعدالة أخلاقهم - تكون قرناؤهم الصور الحسان واللؤلؤ والمرجان ؛ والأشقياء - لخبث عقائدهم ورداءة أخلاقهم واعوجاج عاداتهم - يكون جليسهم الجحيم والزقّوم والعقارب والحيّات ؛ إذ كما أنّ الأعمال مستتبعة للملكات في الدنيا بوجه ، فالملكات مستتبعة للأعمال في الآخرة بوجه . وهذا معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 2 » : « إنّ الجنّة قاع صفصف فأكثروا من غراس الجنّة » - الحديث -
--> ( 1 ) - مقتبس مما جاء في تفسير سورة الواقعة لصدر المتألهين : 7 / 34 - 36 . ( 2 ) - في الترمذي ( كتاب الدعوات ، الباب 59 ، 5 / 510 ، ح 3462 ) : « إنّ الجنّة طيّبة التربة عذبة الماء ، وأنّها قيعان ، وأنّ غراسها : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله اللّه واللّه أكبر » .